الآلوسي
11
تفسير الآلوسي
والاستعارة ، ولا يصح إرادة المعنى الحقيقي لأنه إنما يكون لمن لا يعرف عواقب الأمور . وقيل : إنه مجاز مرسل عن العلم للتلازم بين العلم والاختبار ، وهو محوج إلى تكلف أن يراد ليظهر تعلق علمه الأزلي وإلا فالعلم القديم الذاتي ليس متفرعاً على غيره ، وما تقدم لا تكلف فيه ، وهو مع بلاغته مصادف محزه ، والمراد بالعمل ما يشمل عمل القلب وعمل القالب ، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن جرير . وابن أبي حاتم . والحاكم في التاريخ . وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : " تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية * ( ليبلوكم ) * الخ فقلت : ما معنى ذلك يا رسول الله ؟ قال : ليبلوكم أيكم أحسن عقلا ، ثم قال : وأحسنكم عقلاً أورعكم عن محارم الله تعالى وأعملكم بطاعة الله تعالى " لكن ذكر الحافظ السيوطي أن سنده واه . وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان أن معنى * ( أحسن عملاً ) * أزهد في الدنيا ، وعن مقاتل أتقي لله تعالى ، وعن الضحاك أكثرهم شكراً ، ولعل أخذ العمل شاملاً للأمرين أولى ، وأفضلها ما كان عمل القلب كيف لا ومدار العبادة القالبية الواجبة على العباد معرفة الله تعالى التي تحل القلب ، وقد يرفع به للعبد في يوم مثل عمل أهل الأرض . وفي بعض الآثار " تفكر ساعة يعدل عبادة سبعين سنة " واعبتار خلق السماوات في ضمن المفرع عليه لما أن في السماوات مما هو من مبادي النظر وتهيئة أسباب المعاش الأرضية التي بها قوام القالب ما لا يخفى ، وقريب من هذا أن ذكر السماوات وخلقها لتكون أمكنة الكواكب والملائكة العاملين فيها لأجل الإنسان . وقال بعض المحققين . إن كون خلق الأرض وما فيها للابتلاء ظاهر ، وأما خلق السماوات فذكر تتميماً واستطراداً مع أن السماوات مقر الملائكة الحفظة وقبلة الدعاء ومبهط الوحي إلى غير مما له دخل في الابتلاء في الجملة ، ولعل ما أشير إليه أولاً أولى ، وجملة الاستفهام في موضع المفعول الثاني لفعل البلوي على المشهور ، وجعل في الكشاف الفعل هنا معلقاً لما فيه من معنى العلم ، ومنع في سورة الملك تسمية ذلك تعلقاً مدعياً أنه إنما يكون إذا وقع بعد الفعل ما يسدّ مسدّ المفعولين جميعاً - كعلمت أيهما فعل كذا . وعلمت أزيد منطلق - وبين كلاميه في السورتين اضطراب بحسب الظاهر ، وأجاب عنه في الكشف بما حاصله أن للتعليق معنيين : مصطلح ويعدى بعن وهو المنفى في تلك السورة . ولغوي ويعدى بالباء وعلى ، وهو خاص بفعل القلب من غير تخصيص بالسبعة المتعدية إلى مفعولين ولا يكون إلا في الاستفهام خاصة دون ما فيه لام الابتداء ونحوه ، ومعنى تعليق الفعل على ما فيه ذلك أن يرتبط به معنى وإعراباً سواء كان لفظاً أو محلا وهو المثبت ههنا ، وقال الطيبي : يمكن أن يكون ما هنا على إضمار العلم كأنه قيل : * ( ليبلوكم ) * فيعلم * ( أيكم أحسن عملا ) * والتعليق فيه ظاهر ، وما هناك على تضمين الفعل معنى العلم كأنه قيل : ليعلمكم أيكم الخ فيصح النفي ، ولا يخفى على من راجع كلامه أن فيه ما يأبى ذلك ، وقد يقال : إن التعليق لا يختص بما كان من الأفعال بمعنى العلم كما ذهب إليه ثعلب . والمبرد . وابن كيسان ، وإن وجهه أويس بما في همع الهوامع ، ورجحه الشلوبين ، ولا بالفعل القلبي مطلقاً بل يكون فيه وفي غيره مما ألحق به لكن من الاستفهام خاصة ، واقتصر بعضهم في الملحق على بصر . وتفكر . وسأل - وزاد ابن خروف نظر - ووافقه ابن عصفور . وابن مالك ، وزاد الأخير نسي كما في قوله : ومن أنتم إنا نسينا من أنتم ونازعه أبو حيان بأن - من - تحتمل الموصولية والعائد محذوف أي من هم أنتم ، وكذا زاد أيضاً ما قارب المذكورات من الأفعال التي لها تعلق بفعل القلب - كترى البصرية - في قوله : أما ترى أي برق هنالك ، وكيستنبئون في قوله تعالى :